اسماعيل بن محمد القونوي

291

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

الإطاعة أمر محقق قبل الأمر بالتقوى فالمراد بالمنع عدم تغيير ذلك فلو صدر النهي بالفاء لأوهم أن عدم الإطاعة حاصل بعد الأمر بالتقوى ولا يخفى فساده ولم يأوله بالثبات على عدم الطاعة اكتفاء بتأويله في الأمر وتجدده بتجدد ما طلبوه عين الثبات على ما كان عليه وحدوث النفاق في المدينة لا يضره لذكر الكافرين وهم كثيرون في مكة على أن حدوثه في المدينة باعتبار الكثرة وأما من في مكة من المشركين فقليل قد سبق الكلام فيه في البقرة ولم يتعرض لكون الأمر والنهي للأمة كما في نظائره إما للاكتفاء بما مر في نظائره أو لأن سبب النزول يناسب الحمل على ظاهر الأمر . قوله : ( فيما يعود بوهن في الدين روي « 1 » أن أبا سفيان وعكرمة بن أبي جهل وأبا الأعور السلمي قدموا عليه في الموادعة التي كانت بينه وبينهم وقام معهم ابن أبيّ ومعتب بن قشير والجد بن قيس فقالوا له ارفض ذكر الهتنا وقل إن لها شفاعة وندعك وربك فنزلت ) فيما يعود الخ قيده به « 2 » لأن الإطاعة في بعض أمر الدنيا غير مستنكر والقرينة عليه الأمر بالتقوى قبله كما قال ليكون مانعا عما نهى عنه وأبو الأعور كنية لرجل من بني سليم يسمى عمرو بن أبي سفيان والموادعة المصالحة وهو صلح الحديبية الذي سبب لفتح مكة وقام معهم ابن أبيّ أي عبد اللّه بن أبيّ رئيس المنافقين ومعتب بن قشير والجد بن قيس ارفض أمر من الرفض بمعنى الترك أي اترك آلهتنا أي ذكر الهتهم بالسوء بل اذكر بالجميل وقل إن لها شفاعة في الدنيا أو في الآخرة إن كانت قوله : وندعك منصوبا في جواب الأمر والواو التي ينتصب المضارع بعدها كالفاء لأن ما قبلها أمر والواو أيضا للجمعية أي لمصاحبة ما قبلها بما بعدها مثل زرني وأكرمك أي ليجتمع الزيارة والإكرام والمعنى هنا ليجتمع رفض الآلهة وتركنا إياك مع ربك فشق ذلك على رسول اللّه عليه السّلام والمؤمنين وهموا بقتلهم فنزلت فالمعنى حينئذ اتق اللّه في نقض العهد ونبذ الموادعة قوله : فيما يعود بوهن في الدين أي لا تطعهم فيما يؤدي إلى وهن في الدين من مساعدتهم على شيء وقبول رأي ومشورة منهم أي لا تساعدهم على شيء ولا تقبل لهم رأيا ولا مشورة وجانبهم واحترس عنهم فإنهم أعداء اللّه وأعداء المؤمنين لا يريدون المضارة والمضادة . قوله : وروي أن سفيان بن حرث الخ بيان سبب نزول الآية وروي في سبب النزول أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما هاجر إلى المدينة وكان يحب إسلام يهود قريظة والنضير وبني قينقاع وقد بايعه ناس منهم على النفاق فكان يلين لهم جانبه ويكرم صغيرهم وكبيرهم وإذا أتى منهم قبيح تجاوز عنه وكان يسمع منهم فنزلت وروي أن أهل مكة دعوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى أن يرجع عن دينه ويعطوه شطر أموالهم وأن يزوجه شيبة بن ربيعة بنته وخوفه منافقو المدينة أنهم يقتلونه إن لم يرجع فنزلت .

--> ( 1 ) هذه القصة بعد وقعة أحد وقول المنافقين إما لظهور نفاقهم ح أو قولهم في صورة النصح كأنهم قالوا ساعد يا رسول اللّه ما قاله الكافرين دفعا للمضرة والمفسدة وهذا هو الظاهر . ( 2 ) قوله تعالى : مِنْ رَبِّكَ * قيد به للتشريف وللتأكيد لأن الإيحاء قد يطلق على غيره .